كعقدٍ عُـلقَ على جيد حسناءَ توسطتهُ لؤلؤةٌ براقةٌ .. تلك اللؤلؤةُ هي القريةُ الحـُلم ( آل قطيل ) التي تتوسط مساحات الجمال الغير متناهي الذي يلبسه الجبل والسهل والبحر في منطقة جازان ، هي تلك البقعة الاستثنائية التي لن تتصورها
مخيلتك ولن تتزحزح من ذاكرتك إذا ما قـُدر لك زيارتها ، هي تلك الناحية من الحبيبة جازان التي كلما زرتها ازددت شوقاً لها وازددت يقيناً أن جازان هي حقاً فاتنة الجنوب ! إذ أن في كل ناحية منها مكان للدهشة ، وفي كل جهة من جهاتها مساحات للروعة .
آل قطيل ليس كغيرها من القرى الجبلية التي تعانق المرتفعات الشرقية للمنطقة ، وقممها ليست كبقية القمم وسكانها لن أبالغ إن قلت أنهم خلاف ساكني تلك النواحي لما سأذكره لاحقاً .
قدر لي زيارة آل قطيل مرتان كانت في أبهى حلتها ، مدرَّجاتها مكتسية باللون الأخضر وحقولها حبلى بشتى أنواع الزروع ، ما أن ينتصف النهار حتى يتوافد الغمام يغسل وجه فاتنته فتبتسم الأرض وتبدأ سيمفونية متناغمة من تغريد الطيور وحفيف أغصان الشجر ، وتبدأ تلك المدرجات بالتناوب في ارتشاف خيرات السماء ، مشهد بانورامي فريد ستدهش حتماً حينما تشاهده ، وسيأسرك ذلك التآلف الحميمي بين إنسان ذلك الجبل وبين أرضه التي أحالها جنة يستوقفك كل شبر فيها ، ويجبرك على التسبيح والتهليل في كل التفاتة .
هذه الخضرة الممتدة طالت أرواح ساكنيها إذ يدهشك كرم أهالي القرية وبشاشة وجوههم ، وسعة صدورهم وانشراح نفوسهم لكل ضيف تراهم يتسابقون على إكرامه في حرص عجيب ، ويتهافتون على الترحيب به بكرم مبالغ حتى أنك لتشعر بأنك جزء منهم يصر كل واحد منهم أن يقوم بواجب الضيافة مهما كلف الأمر ، توقن وأنت في هذه الحالة من الاندهاش أن آل قطيل حقاً .. قطعة من الجنة !.
تقع قرية آل قطيل على قمم المرتفعات الشرقية للمنطقة في أقصى الشرق على الحدود اليمنية السعودية مبتعدة عن مركز محافظة الداير بحوالي العشرين كيلو متراً مرتفعة عن سطح البحر بحوالي اكثر من ( 6500 ) قدم وبعدد سكان بلغ قرابة الـ ( 2000 ) نسمة غير أن هذا العدد في تناقص مستمر لاعتبارات تضاريسية ومعيشية وخدمية بدأت تتضاءل ولله الحمد . مناخها معتدل في الصيف متوسط البرودة في الشتاء وأمطارها متوسطة إلى غزيرة تزداد صيفاً .
وهي قرية جبلية تطل على مدرجات زراعية تأخذ شكل الملعب الروماني القديم مطل من جهته الشرقية على وادي ضمد العملاق المحاذي للحدود اليمنية ، تـُستغل تلك المدرجات في زراعة العديد من المحاصيل الزراعية كالذرة والدخن والقطن والبن ، وفاكهة الباباي ( العنبرود ) والموز والعديد من المحاصيل الزراعية الأخرى التي تسهم في دعم دخول كثير من الأسر هناك . وتسد بعضاً من الاحتياجات اليومية ، كما تربى الأغنام والضأن والبقر وإن كان قد قلت أعدادها وانحصرت تربيتها في بعض بيوتات القرية .
الطريق إلى هذه القرية حتى الآن وعرة شيئاً ما لكن تلك الوعورة في طريقها إلى الزوال حيت تعمل معدات وزارة المواصلات على تذليل صعوبتها فالعمل جاري الآن على تعبيد الطريق المؤدي إلى عثوان والذي يمر مع بدايته خلال مجرى وادي ( الجوة ) ليصعد بك بعد ذلك إلى طريق مسفلت لكنه ذو التواءات قد تكون صعبة على الزائر لأول مرة .
يخدم هذا الطريق سكان جبل عثوان والقرى الواقعة على امتداده ومنها آل قطيل فهناك طريق متفرع عنه تتعرف عليه بسهولة بفضل ذلك القوس الذي تعتليه كلمات الترحيب بالزوار وبمجرد انعطافك جهة اليمين بعده ستكون قد بدأت في التجول في حدود قرية آل قطيل وستبدأ في التعرف على تفاصيل ذلك الجمال بمجرد دخولك شوارع القرية التي تؤكد تماماً صلابة أهلها وتبين مدى تعاونهم وتكاتفهم من أجل التغلب على المصاعب .
حكى لي الأستاذ يحيى حسن القطيلي وهو مدير مدرسة آل قطيل أن الطريق المؤدي إلى القرية تمت سفلتته من قبل الأهالي وبعضاً من شوارع القرية وتم رصف الحاجز الحجري على طول امتداد الشارع المؤدي إلى منازل الأهالي ويبلغ تقريباً الثلاثة كيلو مترات ابتداءً من قوس الترحيب لكنه متعرج يضيق في بعض جهات ويتسع في أخرى . كلف الكثير لكنه خدم القرية وسهل التواصل بينها وبين بقية القرى وخصوصاً مركز محافظة الداير نظراً لتمركز جل الخدمات والدوائر الحكومية .
سكان القرية هم ( آل قطيل ) من ( آل خالد ) اكبر قبائل بني مالك في منطقة جازان و تعود قبائل بني مالك لمالك بن زيد بن أسامة بن زيد بن أرطأة بن شراحيل بن مالك بن حجر بن الربيعة بن سعد بن خولان، وبني مالك إحدى قبائل خولان، قضاعية حميرية قحطانية .
القرية قديمة ، سَـكـَـنـَها الأوائل وخلفوا تركة تراثية كبيرة حدثنا عنها العم جابر القطيلي في معرض تعليقه على البيوت المبنية من الحجر التي اعتلت الجبل جهة الجنوب وقد تُركت جراء انتقال ساكنيها جهة الشمال من القرية ، لم يبق منها سوى بعض بيوت مهجورة لكنا ما زالت صامدة تحكي قصة الأقدمين من سكانها ويقول العم حسن أنها مهجورة تماماً سوى بيت أو اثنين استوطنته بعض العمالة الوافدة ، وتحدث بإطناب عن المشاق التي كان يتكبدها الأهالي قديماً في سبيل توفير الاحتياجات اليومية لأسرهم وكيف كان التواصل بينهم في القرية وبين القرى الأخرى ، وتحدث عن المدرجات الخضراء التي استمرت طوال كل هذه السنين تمد الأهالي بقوتهم من ما يزرعونه لكنه لا يذكر جيداً تفاصيل بنائها ويقول أنه مذ عرف نفسه وهي كهذا إلا بعضاً من ما زاده الأهالي أو رمموه ، ولم يُعرف التاريخ الحقيقي لبناء هذه المدرجات واكتفى بقوله إنها قديمة بل قديمه جداً .
وتزدحم الجهة الشمالية من القرية بالسكان لقربها من المدرسة الابتدائية والتي استحدثت بها مرحلة متوسطة على أمل التوسع لتشمل بقية المراحل وتغطي احتياج القرية ونموها السكاني المتزايد خصوصاً بعد وصول التيار الكهربائي إليها والذي كان يعد أهم عوامل الهجرة التي كانت تشتكي منها القرية ،وشكل مشكلة حقيقية تعامل معها الأهالي حينها بجدية وإصرار فقد تعاونوا على توصيل التيار عبر خط طويل من الكيابل مدوه عبر تلك التضاريس الصعبة ليزود بعض البيوت وامتد قرابة العشرة كيلو مترات لكنه كان يؤدي الغرض حتى أفاء الله عليهم بتوصيل خدمة الكهرباء بعد طول انتظار .
هناك مدرسة ابتدائية كما ذكرت وقد استحدثت بها مرحلة متوسطة للبنين وأيضاً مدرسة ابتدائية للبنات ، ويُعمل الآن على بناء مبنى حكومي عوضاً عن ذلك المبنى المستأجر وقد خُصصت قطعة أرض كبيرة ستحقق آمال الأهالي في تلك المدرسة .
تتكامل المقومات في قرية آل قيل لتكون مشروعاً سياحياً جديراً بالاهتمام وتغري بالعمل على استغلال تلك المقومات الطبيعية والتاريخية ، غير أن ما يعيب المكان هو الضيق البين وقلة الأماكن المنبسطة التي يمكن استغلالها كمطلات طبيعية أو كمساحات يمكن للزوار استخدامها ، لكن هناك فرصة استغلال المساكن التي تركها أهلها كفكرة استثمارية يمكن أن تعود على ملاكها والزوار بالنفع فيما لو رُممت وجهزت لتؤجر لمن أراد استخدامها وقضاء وقتاً ممتعاً فيها ، ولعل القادم من الأيام يخبئ الجميل لتلك القرية الوادعة الجميلة التي انتشت فيها الأرض خضرة وأرواح أهلها كرماً وطيباً .
بحق .. تعد قرية آل قطيل أعجوبة طبيعية ، وهي كما وصفها الكثير بقطعة من الجنة .. هي كذلك فخضرتها طول السنة واعتدال جوها وتناغم مدرجاتها وطيبة وكرم أهلها كل تلك المميزات أهلتها لتكون كما وصفت ، جنة حقيقية وإن كان ينقصها بعض خدمات لتكتمل الصورة ولعل هذه الاحتياجات ستكتمل في قابل الأيام بجهود المخلصين من أهلها ولما تمتلكه من مقومات ستغري المهتمين بأمر السياحة في المملكة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
استطلاع وتصوير : إبراهيم جبران
مرات القراءة:( 4592 ) التعليقات:( 3 )
الرد بواسطة :
عبدالله الدوسي
[تاريخ
الرد : الأربعاء 16-01-2008 04:49 مساء ]
........................................................................................
اعجب اشد العجب من انصراف القطاع الحومي والخاص عن استثمار هذه المناطق الرائعة الساحرة وانفاق المليارات في الخارج !!
جازان منطقة غنية جدا بكل ماهو جاذب وممتع ومفيد وهام وتاريخي وثقافي فاين رجال الاعمال عنها واين الدولة عن استقطابهم وحثهم وتقديم كل التسهيلات لهم للاستثمار واقامة المشاريع االسياحية العملاقه في ربوعها ؟؟
سؤال ظل وسيظل بلا اجابة الى اجل غير مسمى !! واني لاشعر باسى بالغ من اهمال هذه المناطق الساحرة الى الآن!!!
الرد بواسطة :
الفقيهي
[تاريخ
الرد : الأحد 10-02-2008 02:33 مساء ]
........................................................................................
الشكر والقدير لكانب هذا الموضوع لتعريفنا بمنطقتنا الحبيبة إلى قلوبنا وجزاه الله ألف خيرا
الرد بواسطة :
[تاريخ
الرد : الأحد 07-09-2008 03:21 مساء ]
........................................................................................
آل قطيل هي قرية من قرى بنى مالك وهي بألخص أفضلها وأجمالها من جميع النواحي إلا أن هذه السنه لم يبارك الله عليها بألمطار والخضرة السابقه ولاكن الله كريم